علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
141
ثمرات الأوراق
[ فقال : نعم ، فقال عبد الملك : سمعت شيئا مما يقوله الناس في أمر هذا العسكر ؟ ] « 1 » ، فقال الشّيخ : وما سؤالك عنه ؟ فقال عبد الملك : إنّي أردت الانتظام في سلكه ، فقال له : إنّي أرى عليك سمة الرّياسة ، فينبغي أن تصرف نفسك عن هذا الرّأي ؛ فإنّ الأمير الّذي أنت قاصده قد انحلّت عرا ملكه ، والسّلطان في اضطراب أموره كالبحر إذا هاج . فقال عبد الملك : أيّها الشّيخ ، قوي عليّ جذب نفسي إلى صحبة هذا الأمير ، فهل لك أن ترشدني إلى رأي أتّفق به عنده ، فلعلّه يكون سبب قربي منه ! فقال الشيخ : إنّ هذه النّازلة الّتي نزلت بهذا الأمير من النّوازل الّتي لا تنفذ فيها العقول ، وإني لأكره أن أردّ مسألتك بالخيبة . فقال له عبد الملك : قل جزاك اللّه خيرا . فقال الشّيخ : إنّ هذا الخليفة خرج إلى قتال عدوّه ، والإرادة غير قابلة لمراده ، والدّليل على ذلك أنّ اللّه تعالى لم يرد ما قصده من محاربة ابن الزّبير ووثوب عمرو بن سعيد على منبره ، واستيلائه على بيوت أمواله ، وسرير خلافته ، فإذا قصدت هذا الأمير ، وانتظمت في سلكه ، انظر في أمره ؛ فإن رأيته قد أصرّ على قصده ابن الزّبير فاعلم أنّه مخذول فاجتنبه ، وإن رأيته قد رجع من حيث جاء وترك قصده الأوّل فارج له النّصر والسّلامة . فقال عبد الملك : يا شيخ ، وهل رجوعه إلى دمشق إلّا كمسيره إلى ابن الزّبير ! فقال الشيخ : إنّ الّذي أشكل عليك لواضح ، وها أنا أزيل عنك اللّبس ؛ وهو أنّ عبد الملك إذا قصد ابن الزّبير كان في صورة ظالم ؛ لأن ابن الزّبير لم يعطه طاعة قطّ ، ولا وثب له على ملكه ، فإذا قصد ابن سعيد كان في صورة مظلوم ؛ لأنه نكث ببغيه وخان أمانته ، ووثب على دار ملك لم تكن له ولا لأبيه من قبله ، بل كانت لعبد الملك ولأبيه من قبله ، وعمرو عليها متعدّ . ومن الأمثال : سمين الغصب مهزول ، ووليّ الغدر معزول ، وسأضرب لك مثلا يشفي النّفس ، ويزيل اللّبس : زعموا أن ثعلبا كان يسمّى ظالما ، وكان له جحر يأوي إليه ، وكان مغتبطا به ، فخرج يوما يبتغي ما يأكل ، ثم رجع فوجد فيه حيّة ، فانتظر خروجها فلم تخرج ، فعلم أنها استوطنته ؛ وذلك أنّ الحيّة لا تتّخذ جحرا ، بل إذا أعجبها جحر اغتصبته ، وطردت من به من الحيوان ، ولهذا قيل : فلان أظلم من حيّة ، فهذا ظلمها . ولمّا رأى ظالم أنّ الحيّة قد استوطنت جحره ، ولم يمكنه السكنى معها ، ذهب يطلب لنفسه مأوى ،
--> ( 1 ) تكملة من ب .